TheSudanTime

كيف يتحرك “الإسلاميين” في السودان بعد إدراجهم في قوائم الإرهاب الأمريكية؟

2026-03-25 - 06:36

لم تكن التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه إخوان السودان مجرد إجراء روتيني ضمن سياق العقوبات الدولية، بل مثّلت “زلزالاً سياسياً “أعاد رسم خارطة الصراع في السودان. فبعد عقود من المناورة خلف ستار مؤسسات الدولة، ووضع الرهانات على استمرارية الحرب لضمان البقاء، جاء التصنيف الأمريكي، سواء عبر العقوبات المباشرة على القادة أو التوجه لإدراج الجماعة ككيان إرهابي، ليضع “الكيزان “في الزاوية الضيقة. هذا التحول لا يستهدف الأفراد فحسب، بل يضرب الشرعية السياسية للجماعة في مقتل، ويحولها من فاعل سياسي– رغم كونه منبوذاً شعبياً –إلى ملاحق دولي تتجنبه العواصم والمنظمات. لماذا الآن؟ الحيثيات التي قادت إلى التصنيف الأمريكي تؤكد تقارير استخباراتية وبحثية أنّ واشنطن وصلت إلى قناعة بأنّ الحركة الإسلامية هي “المحرك الخفي” الذي يمنع وقف إطلاق النار في السودان. ورصدت الدوائر الأمريكية، وفقاً لتقارير “معهد السلام الأمريكي” (USIP) انخراطاً مباشراً لكتائب إسلامية متطرفة، مثل كتيبة” البراء بن مالك“ في العمليات العسكرية. هذه الكتائب لا تقاتل تحت إمرة الجيش السوداني بشكل مؤسسي، بل تأتمر بأمر القيادة التنظيمية للحركة، ممّا جعلها تبدو كـ “ميليشيا إرهابية” موازية. تتوقع مراكز أبحاث أن يشهد الجيش السوداني “حملة تطهير” داخلية لإبعاد العناصر المحسوبة على النظام السابق، استجابةً للضغوط الأمريكية كشرط للحصول على أيّ دعم دولي أو اعتراف بشرعية الحكومة القادمة. بالإضافة إلى ذلك، يرى باحثون أنّ الضغط الأمريكي جاء نتيجة لعرقلة الإسلاميين لأيّ تقارب بين الجيش وقوات الدعم السريع. وترى واشنطن أنّ تيار الصقور بقيادة علي كرتي يرى في السلام “فناءً سياسياً “له، لذا يتبنّى استراتيجية الحرب الشاملة. التقارير تتحدث أيضًاً عن أنّ استعادة الجماعة لعلاقاتها مع أطراف إقليمية متطرفة، وفتح الباب أمام عناصر راديكالية عابرة للحدود للقتال في السودان، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية. التداعيات القانونية والسياسية... “الجذام السياسي“ تصنيف الجماعة ككيان إرهابي أو إدراج قادتها في قوائم الإرهاب الدولي يترتب عليه نتائج كارثية لمستقبلهم، أبرزها العزلة الدولية الشاملة؛ هذا التصنيف يعني أنّ أيّ جهة، سواء كانت دولة، أو منظمة، أو بنكاً، تتعامل مع الحركة الإسلامية، ستعرّض نفسها لعقوبات أمريكية ثانوية. وبحسب “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS) فإنّ هذا سيؤدي إلى “تطهير قسري” للساحة السياسية السودانية من نفوذ الإخوان، حيث سيتجنب الحلفاء الإقليميون الظهور بمظهر الداعم لهم. وفضلاً عن تفكيك “إمبراطورية المال“، تعتمد الجماعة على شبكات مالية معقدة وشركات واجهة. ويمنح التصنيف الأمريكي وزارة الخزانة سلطة ملاحقة هذه الأموال عالمياً، ممّا يعني تجفيف منابع تمويل العمليات العسكرية والنشاط السياسي للجماعة. ويمثل القرار الأمريكي ضغطاً هائلاً على قيادة الجيش السوداني، وتحديداً الفريق أول عبد الفتاح البرهان. ويرى الباحث في الشؤون الأفريقية، أليكس دي وال، أنّ الجيش السوداني الآن أمام خيارين أحلاهما مر؛ إمّا الاستمرار في التحالف مع “منبوذين دولياً “ممّا سيعرّض المؤسسة العسكرية لعقوبات دولية وعزلة شاملة، وإمّا “فك الارتباط“ مع الحركة الإسلامية وتجريد كتائبها من السلاح، وهو ما قد يؤدي إلى صدام داخلي داخل معسكر الجيش. وتتوقع مراكز أبحاث أن يشهد الجيش السوداني حملة تطهير داخلية لإبعاد العناصر المحسوبة على النظام السابق، استجابةً للضغوط الأمريكية كشرط للحصول على أيّ دعم دولي أو اعتراف بشرعية الحكومة القادمة. مستقبل الجماعة... الانزلاق نحو “النموذج الداعشي“ في ظل هذا الخنق الدولي، تبرز مخاوف جديّة حول المسارات التي قد تسلكها الجماعة: ـ التحول إلى العمل السرّي المسلح: حذّرت دراسة لمركز “تريندز للبحوث والاستشارات” من أنّ دفع الجماعة إلى الزاوية عبر تصنيفها إرهابية قد يدفع الأجنحة الراديكالية داخلها إلى التخلي تماماً عن العمل السياسي وتبنّي نهج “القاعدة أو داعش“، حيث ستعتبر الجماعة المجتمع الدولي بكامله عدواً مشروعاً. ـ الانقسام الكبير :التصنيف الأمريكي سيعمق الفجوة بين البراغماتيين داخل الجماعة الذين قد يحاولون القفز من السفينة الغارقة وتأسيس كيانات بأسماء جديدة بعيدة عن “الإرث الإخواني“، وبين الإيديولوجيين الذين سيتمسكون بالمواجهة حتى النهاية. الموقف الشعبي والإقليمي... سدّ المنافذ الداخل السوداني: لاقى القرار الأمريكي ترحيباً صامتاً من القوى المدنية “تقدّم” التي ترى في الجماعة عدواً للثورة. ويعزز التصنيف الرواية الشعبية بأنّ الإخوان هم من أشعلوا الحرب، ممّا يقلص من قدرتهم على حشد الشارع مستقبلاً. الإقليم: الدول المجاورة للسودان، التي تعاني أصلاً من ويلات الحرب، ستجد في التصنيف الأمريكي ذريعة قانونية لإغلاق حدودها ومطاراتها أمام قادة الجماعة، ممّا يحولهم إلى “سجناء داخل الجغرافيا السودانية“. السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الإخوان بعد الحظر سيناريو “التلاشي البطيء”: حيث تؤدي العقوبات والتصنيف إلى تآكل الموارد المالية والبشرية للجماعة، ممّا يحولها بمرور الوقت إلى “أثر بعد عين،“ لا يملك قدرة التأثير على القرار الوطني. اعتقد إخوان السودان أنّهم “استثناء” في جسد التنظيم العالمي للإخوان، لقدرتهم العالية على التغلغل في مفاصل الدولة والجيش، لكنّ التصنيف الأمريكي الأخير أثبت أنّ اللعبة وصلت إلى نهايتها. سيناريو “التمرد اليائس”: وهو أن تتحول الجماعة إلى تنظيم قتالي محض في مناطق معينة، وهو ما يطيل أمد الحرب الأهلية في السودان لسنوات، لكن تحت لافتة الإرهاب الدولي لا الصراع السياسي. سيناريو “تغيير الجلد”: محاولة الانخراط في عملية سياسية عبر واجهات مدنية جديدة بالكامل، وهو خيار يراه مراقبون شبه مستحيل في ظل الملاحقة الاستخباراتية الأمريكية الدقيقة لشبكاتهم. نهاية “الاستثناء السوداني“ لطالما اعتقد إخوان السودان أنّهم “استثناء” في جسد التنظيم العالمي للإخوان، لقدرتهم العالية على التغلغل في مفاصل الدولة والجيش، لكنّ التصنيف الأمريكي الأخير أثبت أنّ اللعبة وصلت إلى نهايتها. إنّ إدراج الجماعة في قوائم الإرهاب ليس مجرد “عقوبة“، بل هو “حكم إعدام سياسي” ينهي ثلاثة عقود من التمكين، ويضع السودان أمام فرصة تاريخية، وإن كانت مكلفة، للتخلص من نفوذ الإسلام السياسي الذي ارتبط اسمه في ذاكرة السودانيين بالحروب، والفقر، وأخيراً الإرهاب. ...

Share this post: